الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
407
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
ادّعاه أهل الذوق من العرفاء الحقّة الذين سلكوا مسلك الأنبياء والأئمة عليهم السّلام وهذّبوا نفوسهم عن الرذائل والنقائص بنحو ذكر في علم السلوك وإما حقّي : وهو ما يختص بذاته المقدسة . وقد تقدم أنّ قوله تعالى : ( شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو ) 3 : 18 ( 1 ) يشير إلى هذا التوحيد المختص به تعالى بحيث لم يشاركه فيه أحد . ثمّ إنّ التوحيد إمّا توحيد الذات أو الصفات أو الأفعال أو العبادة ، أمّا توحيد الذات فالحقي منه لا يمكن لأحد الوصول إليه ، بل هو مختص به تعالى ، فهو مساوق للعلم بكنه الذات المقدسة ، وقد علمت مرارا أنّه لا يمكن لأحد الوصول إليه كيف وكلّ ما سواه محاط له تعالى وهو محيط به ( ألا إنه بكلّ شيء محيط ) 41 : 54 ( 2 ) والمحاط لا يحيط بالمحيط ، وإلا لم يكن محاطا كما لا يخفى ، وقال المحقق السبزواري في شرح الأسماء ص 3 : وفي الحديث : التوحيد الحق هو اللَّه والقائم به رسول اللَّه والحافظ له نحن والتابع فيه شيعتنا ، قوله عليه السّلام : التوحيد الحق يشير إلى التوحيد الحقي كما قلنا وكما لا يخفى . وأمّا العلمي منه : فله مراتب خمس حسب اختلاف أحوال الموحّدين : الأولى : مرتبة التصوّر وهي إدراك أنّ للعالم مؤثرا ، وهذه المرتبة هي التي نفوس الخلائق مجبولة عليها باقتضاء فطرتها التي فطر الناس عليها ، وقد تقدّم قوله عليه السّلام في تفسير الفطرة التي فطر الناس عليها في قوله تعالى : ( فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ) 30 : 30 ( 3 ) انّه التوحيد وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : وكلّ مولود يولد على الفطرة إلا أنّ أبويه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه . الثانية : مرتبة التصديق والإذعان لوجوده تعالى الثابت بالبراهين الساطعة والأدلَّة القاطعة قال سبحانه : ( أفي اللَّه شك فاطر السماوات والأرض ) 14 : 10 ( 4 ) .
--> ( 1 ) آل عمران : 18 . . ( 2 ) فصلت : 54 . . ( 3 ) الروم : 30 . . ( 4 ) إبراهيم : 10 . .